محمد جمال الدين القاسمي
415
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
حينئذ قال لهم يسوع كلكم تشكون فيّ هذه الليلة . لأنه مكتوب أني أضرب الراعي فتتبدد خراف الرعية . ولكن بعد قيامي أسبقكم إلى الجليل . فأجاب بطرس وقال له : وإن شك فيك الجميع فأنا لا أشك أبدا . قال له يسوع : الحق أقول لك . إنك هذه الليلة ، قبل أن يصيح الديك تنكرني ثلاث مرات . انتهى . فقد شهد عليهم بالشك . بل خيرهم بطرس الذي هو خليفة عليهم ، شك . فقد انخرمت الثقة بأقوالهم . وصح قوله تعالى : وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّباعَ الظَّنِّ . سادسها - إن في ( الفصل السابع والعشرين ) من ( إنجيل متى ) ما لفظه : حينئذ لما رأى يهوذا الذي أسلمه أنه قد دين ، ندم ورد الثلاثين من الفضة إلى رؤساء الكهنة والشيوخ . قائلا : قد أخطأت إذ سلمت دما بريئا . فقالوا : ما علمنا . أنت أبصر . فطرح الفضة في الهيكل وانصرف . ثم مضى وخنق نفسه . انتهى . فهذه الأناجيل ليست قاطعة في صلبه . بل فيها اختلافات . فيحتمل أن يهوذا كذب عليهم في قوله ( هو هذا ) ويدل على وقوع ذلك ، ويقرّبه ظهور ندمه بعد هذا . ولا سيما وهو من جملة الاثني عشر الذين شهد لهم المسيح بالسعادة الأبدية . والسعيد لا يتم منه مثل هذا الفساد العظيم . فيلزم إما أنّ يهوذا ما دل عليه ، أو كون المسيح ما شهد لهم بالسعادة الدائمة . أو إن أناجيلهم محرفة مبدلة . ويحتمل أن أحد أتباع المسيح باع نفسه من اللّه تعالى وقاية للمسيح عليه السلام . وادعى أنه هو . ومثل هذا كثير في أتباع الأنبياء . حيث يريدون أن يفدوا أنفسهم بدل أنبيائه . ويحتمل أن الأعوان أخذوا عليه رشوة وأطلقوه ، وأخذوا بدله . كما أن يهوذا ، مع أنه صديقه ورسوله ، أخذ رشوة ودلهم عليه . ويحتمل أن اللّه تعالى أرسل شيطانا على صورته وصلبوه . ويحتمل أن الملك الذي نزل عليه ليقويه ، كما تقدم في إنجيل لوقا بزعمهم ، صار فداء له . ويحتمل أن هذا الذي نزل إنما نزل لرفعه . لأنه لو كان نازلا لتقويته لقوّاه . فلما لم نر أنه قواه فيقتضي أنه رفعه إلى السماء ، أو فدى نفسه له . وقال بعض الأفاضل : ومن الأدلة على رفعه وصلب شبهه ما في الفصل التاسع من ( إنجيل لوقا ) ما لفظه : أن المسيح صعد إلى جبل ليصلي وأخذ بطرس ويوحنا ويعقوب معه . وفيما هو يصلي صارت هيئته ووجهه متغيرة ، ولباسه مضيئا لامعا . إلخ . فهذا فيه دلالة على رفعه وحصول الشبه الذي نقول به . إذ لا معنى لظهور موسى وإيلياء ، ووقوع النوم على أصحابه ، وتغير وجهه وإضاءة لباسه ، إلا رفعه . .